الجاحظ
270
البخلاء
الحوائج تقتصّ « 1 » ، فمن سألته اليوم أن يعطيك ، سألني غدا أن أعطي غيرك ، فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي . ليس عندي دراهم ، ولو كان عندي دراهم لكانت نوائبي القائمة الساعة تستغرقها . ولكني أؤنب لكم من شئتم عليّ لكم من التأنيب كل ما تريدون » . قلت له : « فإذا أنّبت رجلا في أمر لم تتقدم فيه بمسألة ، كيف يكون جوابه لك » ؟ فضحك حتى استند إلى الحائط . وجاء مرّة أبو همام السنّوط ، يكلمه في مرمّة داره التي تطوّع ببنائها في رباط عبّادان « 2 » ، فقال : « ذكَّرتني الطعن وكنت ناسيا . قد كنت عزمت على هدمها حين بلغني أن الجبرية « 3 » قد نزلتها » ، قال : « سبحان اللَّه تهدم مكرمة ودارا قد وقفتها للسبيل « 4 » » ؟ قال : « فتعجب من ذا ؟ قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت قد بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك أن يبنيه في الشارع ، وبناه في الرائغ « 5 » ، وحين بلغني أنه يخلط في الكلام ، ويعين الشمرية « 6 » على المعتزلة . فلو أراده أبو همّام وجد من ثمامة مربدا « 7 » جميع مساحة الأرض » . وكان حين يستوي له اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها . وتمشّى رجل إلى الغاضري قال : « إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق » ، قال : « فأيّ شيء تريد » ؟ قال : « أن تخلف عليه « 8 » ، قال :
--> « 1 » تقتص : اي تأخذ منه كقصاص . « 2 » رباط عبادان : ما يحيط بعبادان من الفقراء . وعبادان : جزيرة تحيط بها دجلة . « 3 » الجبرية : مذهب فكري يقول بأن الانسان مجبر على عمله . وينسب إلى الحسين بن محمد النجار البصري . « 4 » اي للَّه . « 5 » الرائغ : في ناحية من الشارع . « 6 » الشمرية : نسبة إلى شمر أحد متكلمي المرجئة . ووردت في نسخة أخرى « البشرية » وهي طائفة من المعتزلة ينسبون إلى بشر بن المعتمر البغدادي . « 7 » المربد : محبس الإبل وغيرها . « 8 » أن تعوّض عليه .